تاريخ الصراعات الحديثة هو في جوهره تاريخ طاقة. فماذا يحدث حين يصبح مصدر الطاقة بلا عنوان؟
طاقة بلا جغرافيا
في خريف عام 1973، قرّر وزراء نفط عرب في اجتماع واحد أن يُعيدوا رسم موازين القوى العالمية. لم تكن ضربةً عسكريةً، ولم تكن معاهدةً دبلوماسية. كانت صنبوراً أُغلق. وفي غضون أسابيع، وقفت أوروبا وأمريكا أمام مضخات الوقود الفارغة، مدركةً لأول مرة بشكل حاد ومؤلم أن ازدهارها الصناعي كله معلّق بخيط يمتد عبر المحيطات إلى آبار نفط لا تملكها.
نحن العرب نعرف هذه القصة جيداً، لأننا كنا طرفاً فيها. لكن ما لا يُقال دائماً هو أن أوروبا لم تحلّ المعضلة حقاً منذ ذلك الحين. لقد نوّعت مصادرها، وبنت احتياطياتها، وبنت خطوط أنابيبها البديلة، وعندما أغلقت روسيا الغاز عن أوكرانيا في عز الشتاء، عاد المشهد نفسه يتكرر بوجوه مختلفة. الدرس الذي استُوعب عام 1973 لم يُحلّ قط. تغيّر اللاعبون وبقيت البنية.
الطاقة، في أشكالها التقليدية، هي مورد مُحدَّد الجغرافيا. تجلس في باطن الأرض في أماكن بعينها، وتتدفق عبر بنى تحتية لها مسارات محددة ونقاط اختناق محددة. العالم بنى هندسته الجيوسياسية على هذه الحقيقة حتى باتت تبدو كقانون طبيعي لا كسمة عارضة للتقنيات التي طوّرناها أولاً.
لكنها ليست قانوناً طبيعياً. وما تسعى إليه مجموعة نيوترينو للطاقة وفريقها الدولي من الفيزيائيين والمهندسين وعلماء المواد يُمثّل أحد أجدّ التحديات لهذا الافتراض في الوقت الراهن.
ما الذي يجعل موردًا قابلاً للحصار؟
لفهم سبب تغيير تكنولوجيا النيوترينو فولتيك للحسابات الجيوسياسية، ينبغي أولاً أن نفهم بدقة ما الذي يجعل مصدر طاقة تقليدياً عرضةً للتوظيف السياسي. ثلاثة شروط مطلوبة. يجب أن يكون المورد مُركَّزاً: متوفراً بكميات ذات قيمة في مواقع محددة فقط. ويجب أن يكون قابلاً للنقل عبر بنية تحتية يمكن رصدها والسيطرة عليها أو تعطيلها. وأخيراً يجب ألا يمتلك البلد المستهلك بديلاً قابلاً للتطبيق في لحظة الضغط. حين تتحقق الشروط الثلاثة، تتحول الطاقة إلى أداة نفوذ. وحين يُزال أيٌّ منها، ينهار النفوذ.
والسؤال الذي تطرحه هذه التقنية بصدق: ماذا لو زالت الشروط الثلاثة دفعةً واحدة؟
مدخل لا يملكه أحد
تكنولوجيا النيوترينو فولتيك لا تعتمد على مورد موجود في باطن الأرض في مكان بعينه. إنها تستخدم ما هو موجود في كل مكان في آنٍ واحد.
تستخدم التيارات متعددة القنوات من التدفق البيئي المحيط: انتقال الزخم الجسيمي، وتدفق الميونات الكونية، والتذبذبات الكهرومغناطيسية، والتدرجات الحرارية. هذه المدخلات ليست ملكاً لأحد. إنها موجودة فوق كل أرض، تحت كل سماء، بصرف النظر عن العلم الذي يرفرف فوقها أو القرارات التي تتخذها الحكومات. التدفق الكوني الذي يخترق متراً مربعاً من أرض بلد مفروض عليه حصار مطابق تماماً للتدفق الذي يخترق الأرض التي يقف عليها من يفرض الحصار.
كما قال هولجر ثورستن شوبارت، المعروف بـ”مهندس ما لا يُرى” ومؤسس مجموعة نيوترينو للطاقة، بوضوح تام: “تطوراتنا من أجل طاقة بلا صراعات وعقوبات.” هذا ليس مثالية. إنه يترتّب مباشرةً على فيزياء ما يبنيه فريقه.
وقد صاغ هولجر ثورستن شوبارت الإطار الرياضي الذي يحكم هذا النظام في معادلة هولجر الرئيسية:
P(t) = η × ∫V Φ_eff(r,t) × σ_eff(E) dV
بمعنى أبسط، كلما زاد حجم المادة وكلما كانت أكثر كفاءةً في التقاط ما يحيط بها من تدفقات بيئية مستمرة، كلما زاد التيار الكهربائي الناتج. النظام لا يستهلك وقوداً ولا يعتمد على بنية تحتية وسيطة، ولا يوجد طرف ثالث يملك المدخل أو يستطيع حجبه.
هندسة موزّعة بطبيعتها
البنية المعمارية لأنظمة الطاقة التقليدية تعكس جغرافية مدخلاتها. لأن الوقود الأحفوري مُركَّز، فإن الأنظمة المبنية حوله مركزية: مواقع استخراج كبيرة، ومنشآت معالجة ضخمة، وشبكات نقل طويلة تتقاطع عند مراكز السكان. كل عنصر من هذه العناصر نقطة ضعف محتملة. يمكن ضرب المصفاة. يمكن تخريب خط الأنابيب. يمكن إغلاق الميناء.
أنظمة تكنولوجيا النيوترينو فولتيك تقلب هذه الهندسة. لأن المدخل بيئي وعالمي، يحدث التحويل أينما وُضعت المادة. لا نقطة استخراج مركزية يمكن تعطيلها، ولا مسار نقل يمكن قطعه، ولا ميناء يمكن إغلاقه. ومن منظور المنطقة العربية التي شهدت بنيتها التحتية النفطية هدفاً للصراعات مراراً، هذا ليس تفصيلاً تقنياً. إنه تحوّل جوهري في معنى الأمن.
مكعب طاقة النيوترينو، الوحدة المدمجة الصلبة الحالة التي يجري تجريبها ميدانياً بين مئة ومئتي وحدة، تُنتج ما بين خمسة وستة كيلوواط من الطاقة المستمرة دون أي مدخل من الوقود، في وحدة بأبعاد 800×400×600 ملم وزنها نحو خمسين كيلوغراماً. أما نيوترينو لايف كيوب، وهو نظام متكامل للطاقة والمياه، فيُضيف إلى ذلك التحكم بالمناخ ومحطة تنقية هواء تُنتج ما بين اثني عشر وخمسة وعشرين لتراً من المياه النظيفة يومياً من رطوبة الغلاف الجوي، دون أي مصدر خارجي للطاقة أو الوقود.
لمن يتأمل هذا في منطقة تعاني أجزاء منها شحّ المياه وعدم استقرار الطاقة معاً، الجمع بين مصدر طاقة غير قابل للحصار ومصدر مياه مستقل في وحدة واحدة ليس ترفاً. إنه أمن بمعناه الحقيقي.
حين تتبخر الورقة الرابحة
لاحظ هولجر ثورستن شوبارت أن “أعظم الصراعات في تاريخ البشرية لم تكن أيديولوجية حقاً في جوهرها. كانت طاقوية.” الملاحظة تُضيء شيئاً مهماً حول ما هو على المحك.
حين تكون الطاقة نادرة ومحدّدة الموقع وقابلة للسيطرة، تتحول إلى أصل استراتيجي يتراكمه الأقوياء ويتنافس عليه الضعفاء. والمفارقة التي لا يُقال عنها الكثير: الدول العربية المنتجة للنفط تعرف هذه المعادلة من الجانبين. لقد استخدمت الطاقة ورقةً رابحة حين أمكن ذلك، ودفعت ثمن الاعتماد على ورقة واحدة حين تقلّبت الأسواق والسياسات عليها. الاعتماد على مورد واحد، حتى حين تمتلكه، هشاشة.
التقنية التي تحوّل التدفق البيئي المتساوي الحضور في كل جغرافيا لا تُقدّم مصدر طاقة أنظف أو أرخص فحسب. تُقدّم علاقةً مختلفةً كلياً بين الطاقة والنفوذ. للدول التي اعتمدت تاريخياً على استيراد الوقود وقبلت التكاليف السياسية لذلك الاعتماد وبنت سياستها الخارجية على إدارة تلك التكاليف، سيجد الحساب نفسه متغيّراً جذرياً. النفوذ الذي يُتيحه تركيز الطاقة يتلاشى حين لم تعد الطاقة مُركَّزة.
التحوّل الهندسي الذي يعمل عليه الفريق الدولي لـمجموعة نيوترينو للطاقة لم يكتمل بعد. التقنية ليست في انتشار واسع حتى الآن. لكن الاتجاه واضح، وما يترتب عليه يمتد أبعد بكثير من فاتورة الكهرباء.
“المقياس الحقيقي للتقدم”، قال هولجر ثورستن شوبارت، “ليس ما نبنيه، بل ما لم نعد بحاجة إلى الاستيلاء عليه.”
في عالم نظّم الكثير من صراعاته حول الاستيلاء على الطاقة، هذا التحوّل في المقياس يحمل تبعات تتجاوز أي تقنية بمفردها.